الثعالبي
60
لباب الآداب
بالذخائر ، ويستأثر بالأخائر ، هو الدهر لا تتهنى فيهِ المواهبُ حتى تكدِّرها الشوائب ، وتخللها المصائب ، ولا تصفو فيه المشارب ، من عرف الزمان ، لم يستشعر منه الأمان ، هي الأيام ترتجع العَرِية ، وتتلقى بالأمنية المنيَّة . ذِكْرُ الدنيا قد جعل الله الدنيا دارَ قلعة ، ومحلَّ نقلةٍ ، فمن راحِلٍ ليومِهِ ، ومن مدعوٍّ لغدهِ ، وكل مستوفٍ لأجله ، وجارٍ إلى أمدِهِ ، ما الدنيا إلا دار نُقلة ، وما المقام فيها إلا لرحلةٍ ، على شرطِ الفَناء ، خلق اللَهُ الدنيا وقال : " والآخرةُ خيرٌ وأبقى " شرط الدنيا صلة المنائح بالحوائج ، وجمع الرغائبِ إلى النوائب ، فموهوبها مسلوبٌ ، وإن أرخى إلى مَهَل ، وممنوحها محروبٌ ، وإن أُخِّر إلى أجَل . نحن في الدنيا على أوفازٍ ومجاز ، وحذار وانتظار الدنيا عارية مرتجعة ، وسحائب منقشعة ، قد تنكرتِ الدنيا حتى صار الموتُ أخفَّ خطوبِها ، وأصغر ذنوبها ، فلينظر المرءُ يَمنةً ، هل يرى إلاّ مِحنةً ، ثم ليعطف يَسرةً ، هل يرى إلاّ حَسرةً . ذِكْرُ الموتِ إنّ الله تعالى سَوّى بين المريَّة ، في ورد حوضِ المنيّةِ ، معلومٌ أن الموت كُلٌّ شاربٌ بكأسهِ ، ومُكْتَسٍ من لبسه ، وإنما تقدُّم أيام وتأخر أعوام ، الموتُ خَطْبٌ عظيم ، عظم حتى هان ، وخَشُنَ مسُه حتى لان ، قد علمتَ أن الله للعدَمِ أوْجدنا ، وللفناءِ خلقنا ، المرء يظن أنه مؤخر إلى تمام ، ومنسيٌ لأيام وأعوام ، والمنونُ تطلبه حثاً وحَضًّا ، حتى تدركه خَبَباً ورَكْضاً . في الرِّضا بقضاءِ الله والتسليم لحكمه ما الْحِيلة وَقَدْ حَل القضاء ، وفرض العزاء ، ونَزَل البلاءُ الجسيم ، وكتب الرضى